لاحظت على أغلب أدوات الذكاء الاصطناعي نهجًا معينًا أسميته «الإمطار والإغراق» ويمكن أن تسميه «السيول الجارفة» ولكني فضلت في النهاية (وأنا قاعد عالقهوة) تسمية «الإمطار والإغراق» ولاحظ هنا أن الترتيب مهم، إمطار أولاً ثم إغراق، وستعرف الآن لماذا الترتيب مهم.

وسبب تفضيلي لـ «الإمطار والإغراق» هو الدلالة على سريان وتسلسل حدوث الشيء ونتيجته ومآلاته، وهو الأمر الذي يناسب توصيف ما تفعله أدوات الذكاء الاصطناعي، والذي سأوضحه الآن.

المهم..

النهج الذي لاحظته لهذه الأدوات ببساطة هو «إمطارك» بكم تفاصيل غير طبيعية في الإجابة الواحدة، ثم أنت لن تسكت بطبيعة الحال، ستطلب طلبات أخرى سواء توضيحية أو تعديلية أو تكميلية.. ومن هنا يحدث «الإغراق».

لذلك أوضحت في البداية أن الترتيب مهم.

ستجد نفسك في المحصلة النهائية أمام «فيضان» من الإجابات التي تبدو لك كلها رائعة وصحيحة، وقد تكون صحيحة فعلاً، ولكن قدرة العقل البشري أقل من أن يراجعها كلها أو يعمل بها كلها، فتصاب في النهاية بالتشتت والحيرة.

ويا سلام لو هذه المعلومات أو الخطة أو الإجابات أو التقارير، أيًا كان المخرج.. مفترض أن ترسلها لعميلك أو مديرك، لأنها كلها تبدو لك جميلة، وتعتقد أن الطرف الآخر سينبهر من هذه المخرجات، بينما أنت في حقيقة الأمر سترهقه، وتشتته وتُحيّره هو الآخر وتستغرق من وقته، ناهيك عن أنه الآن يعي جيدًا أن هذا الكم من المخرجات.. قطعًا لا يقدر على إنتاجه سوى آلة لا تتعب اسمها Ai.

فالوضع أضحى الآن في الأعمال والمؤسسات، كم رهيب من المعلومات، الملفات، القوالب، الجداول.. إلخ، لأنها كلها يمكن إنتاجها في ثوانٍ معدودة.

وبالتالي نهج «الإمطار والإغراق» الذي تفيض به أدوات الذكاء الاصطناعي أنتج تحديات جديدة، على رأسها مراجعة جودة المخرجات، ومعرفة ما يصلح وما لا يصلح، وكيف تختار وتُنَقي كما كانت أمي زمان تُنَقي الرز والعدس، وكيف تُفرّق بين الغث والقيّم، وبين الصح والأصح، وكيف تحدد الأولويات، والأهم في النهاية.. كيف تتخذ القرار.

ما أود قوله يا أعزائي:

إن لم تكن شاطر وقوي وفاهم أصلاً فيما تقوم به، وتُدرك جيدًا طبيعة مُدخلاتك وما تحتاجه بالضبط.. فإن الذكاء الاصطناعي.. حـ «يوديك البحر ويرجعك عطشان»

وحـ «يبهدلك» ويحيرك ويشتتك،

وهذه الكلمات الثلاث الأخيرة عندما كتبتها بترتيبها هكذا بدون قصد، شعرت بأنها تصلح كمطلع أغنية بصوت محمد فؤاد 😂 ولا أعلم لماذا محمد فؤاد تحديدًا.

ختامًا.. أنا الآن في محاولة توضيح مفهوم «الإمطار والإغراق» لأدوات الذكاء الاصطناعي، علّها تكف عن «الرغي» وهذه برواية أهلنا في مصر، وبرواية أهلنا في دول الشام «البَرم»، وبرواية أهلنا في السعودية «البربرة الزايدة».